في عالم الاحتيال، كان «الكونت» فيكتور لوستيج محترفًا بامتياز. هذا المحتال، القادم من الإمبراطورية النمساوية المجرية، استخدم ما يقارب 45 اسمًا مستعارًا، وكان يتقن خمس لغات بطلاقة، ويتمتع بقدرة استثنائية على التحدث تجعله ينجو حتى من أكثر المواقف تعقيدًا.
خلال عشرينيات وثلاثينيات القرن العشرين، تنقّل لوستيج بين الولايات المتحدة وأوروبا، خادعًا كل من يصادفه تقريبًا. فقد استدرج ركاب السفن العابرة للمحيطات من الأثرياء للاستثمار في عروض مسرحية وهمية في برودواي، وباع آلة عديمة القيمة يُزعم أنها تضاعف النقود لعمدة في ولاية تكساس، ويُقال إنه تمكّن حتى من الاحتيال على آل كابوني نفسه.
غير أن أشهر عملياته الاحتيالية جرت في باريس، حيث باع برج إيفل مرتين. إذ انتحل صفة مسؤول حكومي، وعرض البرج الشهير للبيع لمن يدفع أعلى سعر بحجة تفكيكه وبيعه خردة، ثم لاذ بالفرار بعد حصوله على الأموال. وفي المحاولة الثانية، أُلقي القبض عليه، إلا أن ذلك لم يضع حدًا لمسيرته الإجرامية.
وبعد عشرات الاعتقالات، أُودِع فيكتور لوستيج السجن نهائيًا عام 1935، عندما كشفت السلطات عن شبكة تزوير واسعة كان يديرها، ضخت أكثر من مليوني دولار من العملات المزيفة في الاقتصاد الأمريكي. قضى ما تبقى من حياته في سجن ألكاتراز، لكنه دخل التاريخ بوصفه «أمهر محتال عرفه العالم».
جرائم فيكتور لوستيج

وُلد فيكتور لوستيج في الإمبراطورية النمساوية المجرية عام 1890، ونشأ في طفولة مضطربة. فقد انفصل والداه وهو في سن صغيرة، وكان والده عنيفًا جسديًا. وتشير روايات إلى أنه ضرب فيكتور الصغير ذات مرة على رأسه باستخدام كمان.
تتباين الروايات حول سنوات الدراسة لدى لوستيج، غير أن العديد منها يشير إلى أنه ترك التعليم قبل بلوغه السابعة عشرة. وبحلول عام 1909، انتقل إلى باريس، وبدأ بممارسة القمار، وحصل هناك على الندبة المميزة في خده الأيسر إثر شجار مع حبيب غاضب لإحدى عشيقاته.
بعد فترة وجيزة، انطلقت مسيرته الإجرامية. فقد وقعت بعض أولى عمليات الاحتيال التي نفذها فيكتور لوستيج على متن السفن العابرة للمحيطات بين فرنسا ونيويورك. وخلال الرحلات عبر الأطلسي، كان يتقمص دور منتج مسرحي يبحث عن تمويل لعمل قادم في برودواي. وكان الركاب الأثرياء يقدّمون تبرعاتهم بسخاء دعمًا للفنون، ليغادر لوستيج السفينة أكثر ثراءً مما صعد إليها.
ومع اندلاع الحرب العالمية الأولى، توقفت حركة السفر البحري تقريبًا، بسبب التهديد المتزايد للغواصات حيث لقي أكثر من ألف شخص حتفهم عند غرق السفينة «آر إم إس لوسيتانيا» في مايو 1915 فضلًا عن الحاجة إلى تحويل السفن لأغراض عسكرية.
عندئذٍ غيّر لوستيج أساليبه. انتقل إلى الولايات المتحدة، ونفذ على مدى نحو عقد عمليات احتيال متعددة استهدفت البنوك ومؤسسات تجارية أخرى. ثم عاد إلى باريس عام 1925، وهناك ابتكر أكبر عملية احتيال في مسيرته حتى ذلك الحين.

عند وصوله إلى باريس، اطّلع فيكتور لوستيج على مقال صحفي يتناول التكاليف الباهظة المرتبطة بصيانة برج إيفل. فقد كانت المدينة بحاجة إلى أموال لإعادة طلاء هذا المعلم الضخم، وأشار الكاتب إلى أن بعض المواطنين يفضّلون إزالة البرج بدل الاستمرار في تحمل نفقات الحفاظ عليه.
ومع تبلور فكرة احتيالية محكمة، استعان لوستيج بمزوّر لإعداد أوراق رسمية حكومية مزيفة. ثم وجّه دعوات إلى عدد من أبرز تجار الخردة لحضور اجتماع سري، وقدّم نفسه خلاله بصفته نائب المدير العام لوزارة البريد والبرق. وتحدّث عن قلق الحكومة من تكاليف برج إيفل، مدّعيًا أن هناك نقاشًا جاريًا حول بيعه خردة لمن يدفع أعلى سعر.
وحذّر لوستيج الحاضرين من ضرورة الحفاظ على سرية الاجتماع، خشية ردود فعل شعبية غاضبة قد تندلع في حال انكشاف الأمر. وفي الوقت نفسه، كان يراقب بعناية لاختيار ضحيته المناسبة، إلى أن وقع اختياره على أندريه بواسون.
وبعد الاجتماع، التقى لوستيج ببواسون على انفراد، وأقنعه بأنه مسؤول فاسد. ولمّح إلى استعداده لتلقي رشوة مقابل ضمان فوز بواسون بالعقد، وفي نهاية المطاف غادر فرنسا ومعه 70 ألف فرنك تسلّمها سرًا من بواسون.
وبعد مرور عدة أشهر، أدرك فيكتور لوستيج أن بواسون لم يتوجه إلى الشرطة، إذ كان يشعر بخجل شديد من اعترافه بتعرضه لعملية احتيال. عندها عاد لوستيج إلى فرنسا لتنفيذ الخطة نفسها مرة أخرى. إلا أنه كُشف هذه المرة، فسارع إلى العودة إلى الولايات المتحدة لتجنب الاعتقال.
ولم تمضِ فترة طويلة حتى ابتكر عملية احتيال جديدة، لم يكن لها أي صلة بأحد أشهر معالم العالم.

عند عودته إلى الولايات المتحدة، كان لوستيج الذي أصبح يُعرف آنذاك بلقب «الكونت» قد ابتكر ما سُمّي «الصندوق الروماني». وكان هذا الصندوق يبدو كعلبة صغيرة من خشب الماهوغاني تحتوي على فتحتين، وفي داخلها آلية وهمية مزودة بذراعين لا تؤدي أي وظيفة حقيقية. وقد حاول بيعه لضحايا غير مدركين على أنه جهاز قادر على استنساخ أي عملة نقدية، ويُروى أن عمدة في ولاية تكساس وقع ضحية لهذه الخدعة، فاشترى الصندوق عديم الفائدة مقابل آلاف الدولارات.
وثيقة تعود إلى عام 1931 صادرة عن مكتب التحقيقات تشير إلى فيكتور لوستيج بوصفه «محتالًا معروفًا على المستوى الدولي».
وخلال هذه الفترة، بدا أن لوستيج كان على صلة بشخصيات بارزة في عالم الجريمة المنظمة، مثل لاكي لوتشيانو، وجاك «ليغز» دايموند، وأرنولد روثستين. وقد أدى ذلك، بحسب ما يُقال، إلى تعارفه مع آل كابوني، وما أعقب ذلك من واحدة من أخطر عمليات الاحتيال في حياته.
وتفيد الرواية بأن فيكتور لوستيج كسب ثقة كابوني عندما طلب منه استثمار مبلغ 50 ألف دولار في مخطط إجرامي. احتفظ بالمبلغ لعدة أشهر، ثم أعاده إليه، موضحًا أن الصفقة لم تُنفذ. وقد أثار هذا التصرف إعجاب كابوني بنزاهته الظاهرة، وعندما طلب لوستيج لاحقًا مبلغ 5 آلاف دولار لتغطية نفقاته إلى أن تثمر صفقة أخرى، لم يتردد كابوني في تسليمه المال.
وفي عام 1930، بدأ لوستيج عملية الاحتيال التي قادته في النهاية إلى السجن. إذ تعاون مع رجلين في ولاية نبراسكا لتأسيس شبكة تزوير عملت على نطاق واسع داخل الولايات المتحدة. وخلال خمس سنوات، جرى تداول أكثر من 2.3 مليون دولار من العملات المزيفة المعروفة باسم «نقود لوستيج»، وهو ما سرعان ما لفت انتباه العملاء الفيدراليين.
وقد وفّرت ألقاب «الكونت» المتعددة وتنكراته العديدة له قدرًا من الحماية لفترة من الزمن، إلا أنه لم يستطع الإفلات من القانون إلى الأبد. فعلى الرغم من أن أحد عملاء جهاز الخدمة السرية وصفه بأنه «مراوغ كدخان السيجارة وساحر كحلم فتاة شابة»، تمكنت الشرطة أخيرًا من تعقبه عام 1935. ومع ذلك، لم يكن قد استنفد بعد كل حيله.
سقوط أمهر محتال عرفه العالم

في العاشر من مايو عام 1935، أُلقي القبض على فيكتور لوستيج في مدينة نيويورك. ووفقًا للتقارير، عثرت الشرطة بحوزته على مفتاح يفتح خزانة في إحدى محطات مترو الأنفاق القريبة، كانت تحتوي على 51 ألف دولار من الأوراق النقدية المزيفة، إضافة إلى القوالب المستخدمة في طباعتها. وبذلك بدت القضية محسومة وواضحة.
غير أن لوستيج اختفى في اليوم السابق لمحاكمته من زنزانته الواقعة في الطابق الثالث. وذكرت صحيفة نيويورك تايمز آنذاك أنه فرّ عبر «ربط الملاءات معًا والانزلاق بها إلى الشارع». وتمكن من الإفلات من القبض عليه لمدة شهر إضافي، قبل أن يُعاد توقيفه في مدينة بيتسبرغ، حيث يُقال إنه خاطب رجال الشرطة الذين عثروا عليه قائلًا: «حسنًا يا رفاق، ها أنا ذا».
وفي هذه المرة، وقف لوستيج أمام المحكمة، وصدر بحقه حكم بالسجن لمدة 20 عامًا في سجن ألكاتراز. ويُروى أن أحد عملاء جهاز الخدمة السرية قال له داخل قاعة المحكمة: «يا كونت، أنت أمهر محتال عرفه العالم».
ويُستحضر اسم فيكتور لوستيج اليوم أساسًا بوصفه «الرجل الذي باع برج إيفل»، كما يُنسب إليه وضع «الوصايا العشر للمحتالين». وتتضمن هذه القائمة غير المشروعة عبارات مثل «لا تُبدِ الملل أبدًا»، و«لا تُفرط في شرب الكحول»، إضافة إلى «لمّح إلى أحاديث ذات طابع جنسي، لكن لا تُكملها إلا إذا أبدى الطرف الآخر اهتمامًا واضحًا».
وبقي لوستيج سجينًا حتى وفاته بسبب الالتهاب الرئوي في 11 مارس1947، عن عمر ناهز 57 عامًا.


