في 18 يوليو 2002، وُلد زاكاري أندرو تورنر إلى كابوس. بدا للناس طفلاً مرحًا لامع العينين، لكن خلف كل صورة سرّ قاتم: إذ إن والدته، الطبيبة شيرلي تورنر، كانت قد قتلت والده وهو جنين في بطنها.
يُزعم أن تورنر أطلقت النار على شريمها السابق، أندرو باغبي، حتى الموت في موقف سيارات بولاية بنسلفانيا في نوفمبر 2001، بعد أسابيع قليلة من حَمْلها بزاكاري. ثم فرت إلى كندا، حيث تحمل الجنسية. ورغم توقيفها في نيوفاوندلاند، رأى قاضٍ أنها لا تمثل خطرًا، فأطلق سراحها بكفالة بانتظار تسليمها إلى الولايات المتحدة ومحاكمتها بتهمة القتل.
انتقل والدا باغبي إلى كندا بعد ولادة زاكاري للنضال من أجل حضانته. لم يثقا بشيرلي تورنر. وقد صدق حدسهما. ففي 18 أغسطس 2003، وكان زاكاري قد بلغ 13 شهرًا فقط، ربطته تورنر إلى صدرها وقفزت به في مياه المحيط الأطلسي. ولم يلبث أن جرفتهما الأمواج إلى الشاطئ.
منذ لحظة ولادته، وجد زاكاري تورنر نفسه بين أيدي أناس أحبّوه ونظامٍ أخفق في حمايته مرارًا. حياته القصيرة وموته العنيف أصبحا لاحقًا موضوع أحد أكثر الأفلام الوثائقية درامية، بعنوان: عزيزي زاكاري (Dear Zachary).

فيما يُنسب إلى شيرلي تورنر من قتل أندرو باغبي كرّس أندرو باغبي حياته لمساعدة الآخرين. ففي عام 1999، كان طالب طب في سنته الثالثة بجامعة ميموريال في نيوفاوندلاند حين تعرّف إلى شيرلي تورنر، التي كانت قد أنهت لتوّها الدرجة العلمية من الجامعة نفسها وتعمل طبيبة مقيمة. بدأ الاثنان علاقة عاطفية، ومع أن باغبي تخرّج لاحقًا وعاد إلى الولايات المتحدة لبدء إقامة جراحية، فقد استمرّا في الالتقاء على نحو منتظم نسبيًا.
أظهرت منشورات “Dear Zachary” عبر فيسبوك صورة لأندرو باغبي، والد زاكاري باغبي، الذي يُزعم أنه قُتل على يد صديقته السابقة، شيرلي تورنر.
غطّى سحر تورنر في البداية على تاريخ طويل من الاضطراب الانفعالي. ومع تطوّر علاقتها بباغبي، بدأ يتملّكه القلق من تقلّبات مزاجها الحادّة وسلوكها الاستحواذي. حاول إنهاء العلاقة مرارًا، وبحلول خريف 2001 كان قد حسم قراره بقطعها نهائيًا.
ثم، في صباح 5 نوفمبر 2001، عُثر على باغبي، البالغ 28 عامًا، مقتولًا بالرصاص في موقف سيارات بمنتزه كيستون ستيت في ولاية بنسلفانيا. وسرعان ما تركزت الشبهات على شخص واحد: تورنر.
كانت علاقات تورنر السابقة اتسمت بالتقلّب؛ إذ بدت غيورة وتميل إلى نوبات غضب عارمة. وكان باغبي قد أنهى أخيرًا علاقتهما المضطربة في الأيام السابقة لوفاته، وأبلغ أصدقاءه أنه منهك ويريد طيّ الصفحة.
لكن شيرلي تورنر لم تكن مستعدة لذلك.

في ليلة 4 نوفمبر، وافق باغبي على لقاء أخير مع تورنر لوضع حدّ نهائي لعلاقتهما. لكنه كان آخر من يراه حيّاً. تبيّن لاحقًا للمحققين أن تورنر قد قطعت مسافة تقارب الف ميل لمواجهته.
وبعد أسابيع قليلة، أعلنت تورنر أنها حامل من باغبي؛ وكان ذلك الطفل هو زاكاري.
عندما علم المحققون بحمل شيرلي تورنر، كانت قد فرّت إلى كندا. وأُلقي القبض عليها في 12 ديسمبر 2001.
كان المحققون الأميركيون شبه واثقين من أن تورنر قتلت باغبي، غير أن سلسلة من الأخطاء القانونية وإخفاقات قضائية، رغم ما لديهم من أدلة إلى جانب سلوكها المضطرب، مكّنتها من البقاء طليقة. وقد أفضت هذه السلسلة الكارثية في النهاية إلى موت زاكاري أندرو تورنر.
وبينما سعت السلطات الأميركية إلى تسليم شيرلي تورنر، رأت المحاكم الكندية أنها لا تشكل خطراً. فأمر قاضٍ بإطلاق سراحها بكفالة رغم انتظارها محاكمة بتهمة القتل.
سُمِح لها بالتجوّل حرة كما سُمِح لها بالاحتفاظ بحضانة رضيعها.

انتقل والدا أندرو باغبي المفجوعان، كاثلين وديفيد باغبي، فورًا من كاليفورنيا إلى نيوفاوندلاند من أجل خوض معركة الحصول على حضانة زاكاري أندرو تورنر. وقد كرّسا حياتهما لحماية الرضيع، ليصبحا المصدر الوحيد للاستقرار والحنان في حياته. ومع ذلك، كلما طالبت تورنر باستعادة طفلها، كانت المحاكم تُلزم عائلة باغبي بالامتثال.
وأثناء انتظار تورنر إجراءات تسليمها، ازداد سلوكها اضطرابًا وتقلبًا. فبحسب مكتب مدافع الطفل والشباب في مقاطعة نيوفاوندلاند ولابرادور، قامت بمضايقة رجل كانت على علاقة عاطفية به، واتصلت به أكثر من 200 مرة خلال شهر واحد. كما ادّعت كذبًا أنها حامل مرة أخرى، ولاحقته، وهددته، وتركت له رسائل مثيرة للقلق.
ورغم ذلك، بدا أن المتخصصين الذين قيّموا حالة تورنر قلّلوا من شأن جميع الإشارات التحذيرية؛ إذ وُصفت بأنها «مرهَقة» بدلًا من كونها خطِرة، و«مثقلة بالضغوط» بدلًا من عنيفة.
في المقابل، وثّق آل باغبي سلوك تورنر، وناشدوا مسؤولي رعاية الطفل التدخل لحماية زاكاري. غير أن تورنر ما انفكت تُقدّم نفسها على أنها أم عازبة أسيء فهمها، فظل زاكاري في عهدتها.
وخلال حفلة عيد ميلاد زاكاري الأول، مدّ الطفل يديه إلى جدته بدلًا من أمه، الأمر الذي أثار انزعاج تورنر بوضوح. فقالت بحدّة: «من الواضح أنه يحبكِ أكثر مني، فلماذا لا تأخذينه معكِ؟».
وكانت تلك هي المرة الأخيرة التي رأى فيها كاثلين وديفيد باغبي زاكاري حيًا أثناء زيارة فُرضت بأمر قضائي في 17 أغسطس 2003. ربطاه في مقعد السيارة وقبّلاه مودّعين. وبينما كانت تورنر تقود مبتعدة به، انتاب كاثلين شعور طاغٍ بالخطر.
في اليوم التالي، كانت شيرلي تورنر وزاكاري تورنر قد فارقا الحياة.

ليلة القتل والانتحار
في 18 أغسطس 2003، استلمت شيرلي وصفة لدواء لورازيبام، وهو مهدّئ قوي يُستخدم عادة لعلاج القلق. وقدّمت جرعة كبيرة من الدواء لزاكاري داخل زجاجته، وتناولت هي أيضًا عددًا من الحبوب. ثم قادت سيارتها إلى رصيف بحري في كونسبشن باي ساوث.
وبينما كان زاكاري مُثبتًا بإحكام إلى صدرها، قفزت تورنر إلى مياه المحيط الأطلسي. ووفق تقرير لهيئة الإذاعة الكندية (CBC) آنذاك، عثر زوجان كانا يتمشيان مع كلبهما على جثتها وقد جرفتها الأمواج إلى الشاطئ صباح اليوم التالي، ثم عثر المنقذون على جثمان زاكاري أندرو تورنر على مقربة أمتار من أمه. كان عمره 13 شهرًا فقط.
أكدت نتيجة التشريح لاحقًا أن زاكاري كان قد تعرّض لتخدير شديد قبل وفاته، ورجّحت أنه كان فاقد الوعي عند غرقه. كما خلص تحقيق القتل العمد إلى ما كان واضحًا للجميع: لم تكن هذه حادثة عارضة؛ بل جريمة قتل.
لقد قُتل الطفل الذي قاتلت عائلة باغبي بإصرار لحمايته على يد الشخص ذاته الذي أصرّت المحاكم على إبقائه في حضانتها.
وفي السنوات التالية، أنجز المخرج كورت كونّه، صديق طفولة أندرو باغبي، الفيلم الوثائقي الذي بدأه عقب مقتل باغبي. كان العمل في الأصل هدية ليعرف زاكاري يومًا ما الأب الذي لن يراه.
لكن ما صُمّم تكريمًا لباغبي تحوّل إلى سجل دقيق لكل إخفاق مؤسسي قاد إلى وفاة زاكاري تورنر. وقد هزّ فيلم «عزيزي زاكاري: رسالة إلى ابن عن أبيه» مشاعر الجماهير حول العالم.
وفي عام 2006، أُقِر في كندا المشروع C-464، المعروف أيضًا باسم «قانون زاكاري»، والذي يتيح للمحاكم رفض الكفالة للمتهمين بجرائم خطيرة عندما تكون سلامة طفل على المحك. وقد أُقرّ القانون نهائيًا عام 2010.
كشفت وفاة زاكاري أندرو تورنر العواقب المروّعة لتقديم راحة متهم بالقتل على سلامة طفل. لقد غيّرت قصته القانون، لكنها جاءت متأخرة جدًا لإنقاذه.


