نظريات المؤامرة حول إختفاء رئيس وزراء أستراليا!

في ديسمبر 1967، التقى رئيس الوزراء الأسترالي هارولد هولت بعدد من أصدقائه في شاطئ شيفيوت بولاية فيكتوريا الأسترالية. كان اليوم حارًا، فقرر هولت السباحة في البحر. غير أن أصدقاءه الذين بقوا على الشاطئ أصيبوا بالذعر عندما اختفى فجأة تحت الأمواج.

ولم يُعثر على هولت مرة أخرى.

على مدار السنوات اللاحقة، طغت ملابسات اختفائه على السرد الأشمل لمسيرته الحياتية، كما أسهمت في انتشار العديد من نظريات المؤامرة، من بينها الادعاء بأن هولت كان جاسوسًا، وأنه لم يغرق، بل جرى انتشاله بواسطة غواصة صينية.

اليكم القصة الكاملة لهارولد هولت، منذ صعوده في الحياة السياسية الأسترالية، مرورًا باختفائه عام 1967، وصولًا إلى نظريات المؤامرة التي ظهرت في أعقاب الحادثة.

أصبح هارولد إدوارد هولت رئيس الوزراء السابع عشر لأستراليا عام 1966، وكان يبلغ من العمر 57 عامًا.

وُلد هارولد إدوارد هولت في أغسطس 1908، وحقق نجاحًا سياسيًا مبكرًا. فبعد دراسته للقانون في جامعة ملبورن، انتُخب عضوًا في البرلمان الفيدرالي الأسترالي عام 1935. وكان في السادسة والعشرين من عمره آنذاك، ما جعله أصغر أعضاء البرلمان في ذلك العام. مثّل دائرة فوكنر في ولاية فيكتوريا من عام 1937 حتى 1946، ثم دائرة هيغينز في الولاية نفسها من عام 1949 وحتى عام 1966.

وخلال تلك الفترة، واصل هولت تقدمه داخل الحزب الليبرالي الأسترالي بصورة متدرجة. فقد تولّى منصب نائب زعيم الحزب عام 1956، وبعد مرور عشرة أعوام، أصبح رئيس وزراء أستراليا السابع عشر وهو في السابعة والخمسين من عمره.

اتسم أداء هولت في رئاسة الوزراء بالتباين. فعلى الرغم من إشرافه على تغييرات مهمة، مثل انتقال أستراليا من نظام الجنيهات والبنسات إلى نظام الدولارات والسنتات، واتخاذه خطوات لجعل الحكومة أكثر شمولًا للسكان الأصليين، فإن موقفه من حرب فيتنام أدى إلى تراجع شعبيته لدى شريحة واسعة من الأستراليين.

غير أن فترة توليه المنصب لم تتجاوز عامين، إذ إن وفاة هارولد هولت عام 1967 طغت لاحقًا على مجمل حياته وإنجازاته السياسية.

يوم الإختفاء

بحسب تقرير نشرته هيئة الإذاعة الأسترالية عام 2020، كان هارولد هولت مولعًا بالسباحة وصيد الأسماك بالرمح، بل كان معروفًا بممارسته حبس أنفاسه أثناء جلسات البرلمان بهدف تحسين قدراته في الغوص. لذلك، بدا من الطبيعي أن يتوجه إلى الشاطئ خلال عطلة أعياد الميلاد للاسترخاء واستعادة نشاطه.

كان هارولد هولت يستمتع بالسباحة وصيد الأسماك والغوص باستخدام معدات التنفس.

في 17 ديسمبر 1967، توجه إلى شاطئ شيفيوت في ولاية فيكتوريا الأسترالية برفقة مجموعة صغيرة من الأشخاص، من بينهم مارجوري غيليسبي، وهي امرأة كانت تربطه بها علاقة عاطفية. وعلى الرغم من أنه كان في فترة تعافٍ من جراحة في الكتف، وقد نُصح بتخفيف نشاطه البدني، فإنه كان متحمسًا للنزول إلى الماء.

وأخبر مرافقيه بأنه يعرف الشاطئ «كما أعرف كف يدي»، قبل أن يندفع إلى الأمواج.

غير أن الآخرين لاحظوا أن التيار كان قويًا للغاية، حتى في المياه الضحلة، فبقوا على الشاطئ. وبعد مرور بعض الوقت، سأل أحدهم غيليسبي عمّا إذا كان هولت يطيل البقاء في الماء على هذا النحو عادة. عندها أخذت غيليسبي تتفحص الأمواج، ولاحظت أن هولت قد انجرف لمسافة بعيدة نحو عرض البحر.

وقالت غيليسبي، وفقًا لما نقلته هيئة الإذاعة الأسترالية: «في تلك اللحظة بدأت أصرخ: كنت أصرخ، وكنت أعلم أنه لا يستطيع سماعي». وأضافت: «في تلك المرحلة كان يحاول العودة، ثم بدا الماء وكأنه يغلي من حوله على شكل أمواج هائلة حيث كان، ولم يعد قادرًا على الرجوع… جاءت كتلة هائلة ومضطربة من المياه، ثم لم يعد هناك شيء».

ووصفَت غيليسبي اختفاء هولت تحت الأمواج بأنه كان «كأن ورقة شجر قد جرفها التيار؛ سريعًا وحاسمًا».

أثار اختفاء هارولد هولت واحدة من أوسع عمليات البحث في تاريخ أستراليا. فقد سارعت شرطة ولاية فيكتوريا، وسلاح الجو الملكي الأسترالي، ووحدات البحث والإنقاذ البحرية إلى موقع الحادث، كما تطوعت شركتا طيران لتوفير طائرات للمساعدة في عمليات التمشيط. شارك العشرات من الغواصين ومئات الأشخاص في البحث عنه، بل جرى تشريح أسماك قرش لمعرفة ما إذا كانت قد التهمت رئيس الوزراء.

ومع ذلك، لم يُعثر على هولت. أم أنه لم يختفِ فعلًا؟

نظريات المؤامرة المحيطة باختفاء هارولد هولت

بعد يومين من اختفاء هارولد هولت، أُعلن رسميًا عن وفاته. وبعد ثلاثة أيام من ذلك، في 22 ديسمبر، حضر نحو 20 ألف شخص مراسم تأبينه في كاتدرائية سانت بول بمدينة ملبورن.

بالنسبة للبعض، بدا ذلك نهاية القصة. أما لورنس نيويل، مفتش الشرطة الذي تولّى التحقيق في اختفاء هولت عام 1967، فقد بدت الحادثة بالنسبة له واضحة ولا لبس فيها.

وقال نيويل: «أعتقد أنه نزل للسباحة في ظروف لم يكن من الحكمة الإقدام عليها، وهذا كل ما في الأمر».

في الواقع، كان هولت قد كاد أن يغرق في الموقع نفسه أثناء ممارسته الغطس السطحي في وقت سابق. إضافة إلى ذلك، كان قد تلقى تحذيرات بعدم بذل مجهود بدني عقب جراحة الكتف التي خضع لها، كما كان يتناول أدوية لتخفيف الألم. ومع ذلك، وفي السنوات التي أعقبت اختفائه تحت أمواج شاطئ شيفيوت، بدأت عدة نظريات مؤامرة بالظهور.

إحدى هذه النظريات افترضت أن هولت أنهى حياته بنفسه. فقد يكون رئيس الوزراء قد دخل في حالة اكتئاب بسبب تراجع شعبيته، أو شعر بثقل قراره دعم الولايات المتحدة في حرب فيتنام. وربما أصبحت مشكلاته الزوجية عبئًا لا يُحتمل إذ يُقال إن له علاقات متعددة فاختار وضع حد لحياته. وتطرح نظرية أخرى احتمال أن هولت زيف موته ليتمكن من العيش مع صديقته غيليسبي.

وتذهب نظرية أخرى، مرتبطة بحرب فيتنام، إلى أن وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية وربما بدافع القلق من التزام هولت بالحرب كانت وراء قتله. وفي المقابل، رجّح البعض أنه اختُطف بواسطة غواصة صينية، أو حتى أنه كان جاسوسًا صينيًا سريًا، وأنه سبح باتجاه غواصة لأنه علم بأن الاستخبارات الأسترالية اكتشفت ولاءه الحقيقي.

وعندما سمعت أرملته، زارا، بهذه الفرضية الأخيرة، علّقت مستنكرة: «هاري؟ غواصة صينية؟ لقد كان لا يحب حتى الطعام الصيني».

في الواقع، سارع أفراد عائلة هولت إلى نفي أي تفسيرات قائمة على نظريات المؤامرة. فقد صرّح ابنه سام هولت لصحيفة The Australian بأن والده كان شخصًا يميل إلى المجازفة. ففي حين تجنب آخرون المياه الهائجة في شاطئ شيفيوت في ديسمبر 1967، اندفع هارولد هولت إلى البحر، على عادته، دون تردد.

وقال سام هولت: «لم يكن هارولد شخصًا يخشى على سلامته الشخصية، لم يكن كذلك قط؛ كان يسبح في أماكن وأوقات يحجم فيها الآخرون».

وفي نهاية المطاف، كان هولت مولعًا بالماء ويعشق السباحة. ويبدو أن أستراليا، عندما افتتحت مركز هارولد هولت التذكاري للسباحة عام 1969، إنما أرادت تكريم هذا الشغف، لا الإشارة إلى ملابسات وفاته.

ما هو رأيك؟

Warning